القرطبي

67

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

أن المحرر الخالص لله عز وجل لا يشوبه شئ من أمر الدنيا . وهذا معروف في اللغة أن يقال لكل ما خلص : حر ، ومحرر بمعناه ، قال ذو الرمة : والقرط في حرة الذفرى معلقه * تباعد الحبل منه فهو يضطرب ( 1 ) وطين حر لا رمل فيه ، وباتت فلانة بليلة حرة إذا لم يصل إليها زوجها أول ليلة ، فإن تمكن منها فهي بليلة شيباء . الخامسة - قوله تعالى : ( فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى ) قال ابن عباس : إنما قالت هذا لأنه لم يكن يقبل في النذر إلا الذكور ، فقبل الله مريم . " وأنثى " حال ، وإن شئت بدل . فقيل : إنها ربتها حتى ترعرعت وحينئذ أرسلتها ، رواه أشهب عن مالك : وقيل : لفتها في خرقتها وأرسلت بها إلى المسجد ، فوفت بنذرها وتبرأت منها . ولعل الحجاب لم يكن عندهم كما كان في صدر الاسلام ، ففي البخاري ومسلم أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فماتت . الحديث . السادسة - قوله تعالى : ( والله أعلم بما وضعت ) هو على قراءة من قرأ " وضعت " بضم التاء من جملة كلامها ، فالكلام متصل . وهي قراءة أبي بكر وابن عامر ، وفيها معنى التسليم لله والخضوع والتنزيه له [ أن يخفى ( 2 ) عليه شئ ] ، ولم تقله على طريق الاخبار لان علم الله في كل شئ قد تقرر في نفس المؤمن ، وإنما قالته على طريق التعظيم والتنزيه لله تعالى . وعلى قراءة الجمهور هو من كلام الله عز وجل قدم ، وتقديره أن يكون مؤخرا بعد " وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم " [ آل عمران : 36 ] والله أعلم بما وضعت ، قال المهدوي . وقال مكي : هو إعلام من الله تعالى لنا على طريق التثبيت فقال : والله أعلم بما وضعت أم مريم قالته أو لم تقله . ويقوي ذلك أنه لو كان من كلام أم مريم لكان وجه الكلام : وأنت أعلم بما وضعت ، لأنها نادته في أول الكلام في قولها : رب إني وضعتها أنثى . وروي عن ابن عباس " بما وضعت " بكسر التاء ، أي قيل لها هذا .

--> ( 1 ) الذفريان : ما بين يمين العنق ويساره ، وتباعد الحبل منه ، أي تباعد حبل العنق من القرط لأنها طويلة العنق ليست بوقصاء ، ومعلقة ، أي مكان تعليقه . ( 2 ) الزيادة من ب ود .